الشيخ محمد حسين الحائري

291

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

وهذا على إطلاقه بعيد جدا فمنها البلوغ فلا يقبل رواية الصبي وإن كان مميزا بلا خلاف بين أصحابنا كما حكاه جماعة ووافقنا عليه أكثر مخالفينا واحتجوا بأن الصبي لا يتمكن من الضبط فلا وثوق بخبره وبأن عدم قبول خبر الفاسق كما سيأتي يقتضي عدم قبول خبر الصبي بطريق أولى لأنه باعتبار علمه بانتفاء التكليف عنه لا حاجز له عن الكذب بخلاف الفاسق فإن له باعتبار التكليف خشيته من الله فربما يحجزه عن الكذب ويمكن دفع الأول بأن الصبي قد يكون ضابطا ومنعه على الاطلاق غير مسموع والثاني بأن الحاجز عن الكذب لا ينحصر في الخشية منه تعالى بل قد يكون لسلامة الفطرة أو طلبا للكمال أو تنزها عن رزائل الافعال أو طلبا للمثوبة أو القرب إليه تعالى بمعانيه المقررة أو خوفا من إصابة مكروه دنيوي أو تفويت شرف أخروي مع أن دعوى وجود الخشية في الفاسق ممنوع بالنسبة إلى كثير من أفراده كما يشاهد بالعيان بل التحقيق أن يتمسك في منع قبول خبره بناء على الطريقة التي حققناها بعدم كونه مما يظن حجيته إن لم يقطع أو يظن بخلافها وأما على الطريقة العاملين بمطلق الظن فلقيام الاجماع على عدم جواز العمل به فيستثنى من جملة الطرق كما يستثنى القياس وشبهه منها لقيام الدليل عليه ولو منع من تحقق المحصل منه فلا ريب في تحقق المنقول منه بخبر الواحد فإن قلنا بحجية خبر الواحد في الأصول أيضا وجعلنا نقل الاجماع منه تم المنع وإلا فلا وذهب بعض العامة إلى قبول خبر المميز قياسا له بجواز الاقتداء به ورد بمنع حجية القياس أولا وبمنع الحكم في المقيس عليه ثانيا وببيان الفارق ثالثا لتجويزهم القدوة بالفاسق مع عدم قبول خبره ثم العبرة في هذا الشرط بالنسبة إلى حال الأداء دون التحمل فلو تحمله صبيا وأداه بعد البلوغ قبل إذا تحققت في حقه بقية الشرائط ولهذا قبلوا رواية ابن عباس وأضرابه ممن تحمل الرواية قبل البلوغ ولم نقف في ذلك على مصرح بالخلاف وما يقال من أن عدم قبول الصدوق لما يرويه محمد بن عيسى عن يونس بن عبد الرحمن إنما هو لتحمله عنه حال صغره غير ثابت الثاني العقل فلا يعتبر خبر المجنون اتفاقا ووجهه واضح نعم لو كان أدواريا وأخبر حال إفاقته قبل أن استجمع لبقية الشرائط وكذا الحال في النائم والمغمى عليه والسكران الثالث الاسلام والاجماع على اعتباره محكي في كلام الخاصة والعامة فلا يقبل رواية الكافر وإن انتحل الاسلام في الظاهر كالغالية والناصبة والمجسمة ومن أنكر بعض الضروريات من غير شبهة أو فعل ما يقتضي بكفر فاعله من الإهانة والاستخفاف بالشرع وأما تعويل الأصحاب على رواية هشام مع رميه بالتجسم وقبول بعضهم لرواية جابر الجعفي مع رميه بالغلو إلى غير ذلك فمبني على عدم ثبوت ذلك عندهم فقبول ما ثبت عندهم للتأويل لقيام أمارة أو دليل عليه أو أنهم إنما عولوا على خبرهم عند اعتضاده بأمارات خارجية مفيدة للوثوق به وهذا الشرط إنما يعتبر عند خلو الخبر عن تلك الامارات كبقية الشرائط ومن هذا الباب اعتمادهم في بعض الموارد على رواية علي بن أبي حمزة مع رمي بعض له بالنصب واحتجوا على اعتبار هذا الشرط بالاجماع وبقوله تعالى إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ووجه الدلالة أن الكافر فاسق في العرف المتقدم كما يظهر بالاستقراء وإن اختص في العرف المتأخر بالمسلم الفاسق بجوارحه ويدل عليه قوله تعالى ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ولئن سلم اختصاصه في العرف المتقدم به أيضا لدلت الآية على المنع من قبول خبر الكافر بمفهوم الموافقة وفيه أولا أن الاحتجاج المذكور إنما يتم إذا كانت العلة في عدم قبول خبر الفاسق عدم الوثوق به وهو ممنوع وإلا لزم اختصاصه ببعض الفساق لحصول الوثوق بخبر البعض وهو خلاف المنطوق ومع ذلك لا يعم الحكم كل كافر ويمكن دفعه بأنه لما كان المناط في قبول الخبر حصول الوثوق بمخبره ولو غالبا وكان الغالب في الفاسق عدم الوثوق به ولم يكن سبيل إلى ضبط محل الوثوق منع من قبول قوله مطلقا والعلة الموجودة في الفاسق موجودة في الكافر فيتسرى الحكم إليه وفيه ما فيه وثانيا أن الدلالة بمفهوم الموافقة إنما تتم إذا كانت العلة وهي انتفاء الوثوق والاعتماد بخبر الكافر أقوى من انتفائه بخبر الفاسق وهو ممنوع وإنما المسلم المساواة وأما ما يقال من أن الاعتماد على الكافر الثقة أكثر من الفاسق الغير المتحرز عن الكذب فيمكن دفعه بأن المدار على نوع الفاسق لا على خصوص فرد منه فأكثرية الاعتماد بالنسبة إلى بعض الافراد غير مفيدة والأولى أن يقال تعليل الحكم بما ذكر مستفاد من مساق الآية فهو بمنزلة منصوص العلة وإن لم يصرح بها لفظا أو أنه من باب تنقيح المناط وذكر الفاضل المعاصر في توجيه الاحتجاج بالآية وجها ثالثا وهو أنا لو سلمنا عدم تبادر الكافر من الفاسق فلا نسلم تبادر عدمه منه غاية الأمر الشك فيه وحيث إن الحكم معلق على الفاسق الواقعي فقبول الخبر مشروط بعدم كونه فاسقا واقعيا وهو غير معلوم في حق الكافر فلا يمكن الحكم بقبول خبره ويشكل بأنه يكفي في قبول قول الكافر عدم تبادره من الفاسق إذ اللفظ إنما يحمل على ما هو المتبادر منه وكأنه يريد أنا لو سلمنا عدم العلم بتبادر الكافر من الفاسق فلا نسلم العلم بعدم تبادره منه كما يدل عليه قوله غاية الأمر الشك وحينئذ فيتجه الاشكال عليه بعدم إثباته للمدعى هذا والتحقيق أن الاستدلال بالآية لا يتم كما سننبه عليه فالوجه أن يتمسك بالاجماع المدعى على الاشتراط إن تم وإلا فإن عول على ما حققناه من أن التعويل بعد انسداد باب العلم إلى تعيين ما هو الحجة من الاخبار على الظن فلا ريب أن لا ظن بحجية خبر الكافر إن لم نظن بعدمها وكذا إذا قلنا بانسداد باب العلم إلى الأدلة وأما على القول بحجية مطلق الظن في الاحكام بعد انسداد باب العلم فإن قلنا بحجية نقل الاجماع في الأصول تم الاحتجاج به أيضا وإلا فلا محيص عن القول بحجية ما أفاد منه الظن وأما ما ذكره بعض المعاصرين من أن الاجماع المنقول في المقام يضعف الظن الحاصل بخبر الكافر فغير سديد لان غاية ما يلزم منه عدم الظن بحجيته لا عدم الظن بما